فخر الدين الرازي
67
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد اللّه بن مسعود وزيد رضي اللّه عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : إنهم يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي اللّه عنهم ، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء ، أما الأولون وهم الذين يقولون : إنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان . أحدهما : أن الجد خير الأمرين : إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال ، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي اللّه عنه . والثاني : أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد ، وإنما قلنا : إن الجد أب للآية والأثر . أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ فأطلق لفظ الأب على الجد . فإن قيل : فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب . قلنا : الاستعمال دليل الحقيقة ظاهراً ترك العمل به في حق العم الدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ يوسف : 38 ] / وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الجد أب ، وقال أيضاً : ألا لا يتقي اللّه زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى : وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [ النساء : 11 ] في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقياً ، قال الشافعي رضي اللّه عنه : لا نسلم أن الجد أب ، والدليل عليه وجوه . أحدها : أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب ، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [ البقرة : 132 ] فإن اللّه تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوة أباً لكان النازل في النبوة ابناً في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب . وثانيها : لو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أباً ، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة . فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي . قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه ، وثالثها : لو كان الجد أباً على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أماً وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير . ورابعها : لو كان الجد أباً ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أماً ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي اللّه عنه إلى السؤال عنه ، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب . وخامسها : قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] فلو كان الجد أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه .